مجمع البحوث الاسلامية

45

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وحده . ولكن هذا لا يمنع من أن تكون المباهلة مع المعارضين حكما عامّا ، وأنّ الأتقياء من المؤمنين الّذين يخشون اللّه ، لهم أن يطلبوا من الّذين لم ينفع فيهم المنطق والاستدلال التّقدّم للمباهلة . وتظهر عموميّة هذا الحكم في بعض الرّوايات الإسلاميّة ، فقد جاء في تفسير « نور الثّقلين » ج 1 ص 351 عن الإمام الصّادق عليه السّلام ، أنّه قال : إذا كان كذلك - أي إذا لم يقبل المعاند الحقّ - فادعهم إلى المباهلة . . . أصلح نفسك ثلاثا . . . وابرز أنت وهو إلى الجبّان ( الصّحراء ) فشبّك أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه ، ثمّ انصفه ، وابدأ بنفسك وقل : اللّهمّ ربّ السّماوات السّبع وربّ الأرضين السّبع عالم الغيب والشّهادة الرّحمان الرّحيم ، إن كان فلانا جحد حقّا وادّعى باطلا فأنزل عليه حسبانا ( بلاء ) من السّماء وعذابا أليما . ثمّ ردّد الدّعوة عليه . . . فإنّك لا تلبث أن ترى ذلك فيه . يتّضح أيضا من هذه الآية أنّه - خلافا للحملات الّتي يشنّها الزّاعمون : أنّ الإسلام دين الرّجال وليس للمرأة فيه أيّ حساب - قد ساهمت المرأة المسلمة مع الرّجل خلال اللّحظات الحسّاسة في تحقيق الأهداف الإسلاميّة ، ووقفت معه ضدّ الأعداء . إنّ الصّفحات المشرقة الّتي تمثّل سيرة سيّدة الإسلام فاطمة الزّهراء عليها السّلام وابنتها السّيّدة زينب الكبرى ، وغيرهما من نساء الإسلام اللّاتي سرن على طريقهما دليل على هذه الحقيقة . ( 2 : 334 ) محمّد حسين فضل اللّه : [ ذكر معنى « المباهلة » نحو الطّبرسيّ ، ونقل القصّة عن الطّباطبائيّ ثمّ قال : ] أسلوب الحوار الإسلاميّ : ولعلّ قيمة هذه القصّة ، أنّها تجسّد لنا الأسلوب الإسلاميّ في الحوار ، حين يريد الاحتجاج لفكره من جهة ، ومواجهة الأفكار المضادّة من جهة أخرى ، وتعرّفنا مبلغ التّسامح الإسلاميّ الّذي يريد لأتباعه أن يمارسوه مع الآخرين ، انطلاقا من الممارسات النّبويّة الرّائعة ، من مركز القوّة لا من مركز الضّعف . فقد قدم هؤلاء إلى مركز الإسلام القويّ ، من أجل أن يناقشوا الدّين الجديد ، فأعطاهم النّبيّ كلّ الحريّة في ذلك ، إلى مستوى السّماح لهم بأداء طقوسهم وعباداتهم في مسجد النّبيّ تحت سمعه وبصره في مجتمع المسلمين الكبير ، حتّى أنّ النّبيّ لم يستجب لتساؤلهم وإنكارهم لذلك ، بل طلب منهم أن يتركوا لهم الحريّة في ذلك ، ليشعرهم - على الطّبيعة - كيف يحافظ الإسلام على مشاعر الآخرين وحرّيّاتهم ، في الإطار العامّ للنّظام الكامل ، وليعطيهم انطباعا ذاتيّا ، أنّه لا يؤمن بالقوّة كسبيل من سبل إدخال الآخرين في الإسلام ، من دون اقتناع منهم بذلك . . . وهكذا كان ، وبدأ النّبيّ حواره معهم من موقع الدّليل والحجّة والبرهان ، كما تنقله لنا القصّة سؤالا وجوابا في حوار هادئ قويّ ، يستجيب للسّؤال في البداية ، ثمّ يطرح السّؤال عليهم من جديد ، ليلزمهم بالحجّة من خلال ذلك . وقد نفهم من الآية الكريمة ، أنّ الحوار لم يقتصر على هذا الجانب فحسب ، بل تعدّاه إلى جميع الجهات الّتي يختلف فيها المسلمون والمسيحيّون في نظرتهم إلى